محمد بن جرير الطبري
343
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمون أن هذا النبي الأَمي تنام عيناه ولا ينام قلبه ؟ " قالوا : اللهم نعم . قال : " اللهم اشهد " قالوا : أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ؟ قال : " هل تعلمون أنه كان أحب الطعام والشراب إليه ألباب الإِبل ولحومها ، وأنه اشتكى شكوى فعافاه الله منها ، فحرم أحب الطعام والشراب إليه شكرا لله فحرم على نفسه لحوم الإِبل وألبانها ؟ " قالوا : اللهم نعم . قالوا : فأخبرنا عن الروح قال : " أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمون أنه جبريل وهو الذي يأتيني ؟ " قالوا : نعم ، ولكنه لنا عدو ، وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء ، فلولا ذلك اتبعناك . فأنزل الله فيهم : قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ إلى قوله : كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : حدثني القاسم بن أبي بزة : أن يهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم من صاحبه الذي ينزل عليه بالوحي ، فقال : " جبريل " . قالوا : فإنه لنا عدو ولا يأتي إلا بالحرب والشدة والقتال . فنزل : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ الآية . قال ابن جريج : وقال مجاهد : قالت يهود : يا محمد ما ينزل جبريل إلا بشدة وحرب ، وقالوا : إنه لنا عدو ؛ فنزل : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ الآية . وقال آخرون : بل كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبينهم في أمر النبي صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن المثنى ، قال : ثنا ربعي بن علية ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، قال : نزل عمر الروحاء ، فرأى رجالا يبتدرون أحجارا يصلون إليها ، فقال : ما هؤلاء ؟ قالوا : يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى هاهنا . فكره ذلك وقال : إنما رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركته الصلاة بواد فصلى ثم ارتحل فتركه . ثم أنشأ يحدثهم فقال : كنت أشهد اليهود يوم مدراسهم اليهود فأعجب من التوراة كيف تصدق الفرقان ومن الفرقان كيف يصدق التوراة ، فبينما أنا عندهم ذات يوم قالوا : يا ابن الخطاب ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك قلت : ولم ذلك ؟ قالوا : إنك تغشانا وتأتينا . قال : قلت إني آتيكم فأعجب من الفرقان كيف يصدق التوراة ومن التوراة كيف تصدق الفرقان قال : ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا ابن الخطاب ذاك صاحبكم فالحق به قال : فقلت لهم عند ذلك : أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو وما استرعاكم من حقه واستودعكم من كتابه ، أتعلمون أنه رسول الله ؟ قال : فسكتوا . قال : فقال عالمهم وكبيرهم : إنه قد عظم عليكم فأجيبوه قالوا : أنت عالمنا وسيدنا فأجبه أنت . قال : أما إذ أنشدتنا به ، فإنا نعلم أنه رسول الله . قال : قلت : ويحكم إذا هلكتم . قالوا إنا لم نهلك . قال : قلت : كيف ذاك وأنتم تعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لا تتبعونه ، ولا تصدقونه ؟ قالوا : إن لنا عدوا من الملائكة وسلما من الملائكة ، وإنه قرن به عدونا من الملائكة . قال : قلت : ومن عدوكم ومن سلمكم ؟ قالوا : عدونا جبريل وسلمنا ميكائيل . قال : قلت : وفيم عاديتم جبريل وفيم سالمتم ميكائيل ؟ قالوا : إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإِعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا ، وإن ميكائيل ملك الرأفة والرحمة والتخفيف ونحو هذا . قال : قلت : وما منزلتهما من ربهما ؟ قالوا : أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ، قال : قلت : فوالله الذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما وسلم لمن